04‏/06‏/2016

ضجـيـج



نرمين إبراهيم

اليوم.. بعد خمسة وثلاثين عاما، كتب علي أن أحيا أو أن أشقى ـ سيان عندي ـ في هذه البلاد التي يسمونها المنفى والتي لا أعرف لها حدودا ولا في أي قارة تقع.. عاد ذاك الهدير البعيد ليصم مسامعي نهارا ويقض مضجعي ليلا.. رغم صخب هذه البلاد التي تتقيأ من جوفها آلاف البشر الممحوي القسمات بلا انقطاع.. وضجيج القطارات الخانقة الهادرة في أحشائها.. ألتقط سماعة الهاتف للمرة الألف وأدير القرص.. يطول بي الانتظار دقائق.. ساعات.. قرونا.. أسمع جلبة وأزيزا.. يرد علي صوت آلي بنبرة مقيتة:

"آسفة .. البلد الذي طلبته لم يعد موجودا.. تأكد من الاسم ثانية رجاء..

آسفة.. البلد الذي طلبته لم يعد موجودا.. تأكد من الاسم ثانية.

آسفة.. البلد الذي طلبته لم يعد موجودا....."

عادت المطارق تهوي على رأسي.... والهدير يصم مسامعي.. فمنذ ليال وأنا لا أجد للنوم سبيلا.. أشعر برأسي ثقيلا مهشما.. بخدر يدب في جسدي المنهك.. ارتمي بإعياء على الكرسي المتهرئ.. وأحاول أن أشاغل نفسي.. علني أسكت قرع الطبول في أذني.. أمد يدا راعشة وأستل كتابا اصفرت أوراقه وتآكلت.. وأقرأ:

"نيسان أقسى الشهور

يخرج الليلك من الأرض الثكلى،

يمزج الذكريات والرغائب

يهز الجذور مع مطر الربيع"

*********

"صغارا كنا لما يخفت في ذاكراتنا الصغيرة بعد هدير "الله اكبر" الذي رددناه أيام حزيران الخمسة القائظة ونحصي بما حفظناه توا من جدول الحساب طائرات العدو المتهاوية.

صغارا كنا حين رحنا نحفظ أول مفردات قاموسنا السياسي.. نتلعثم بشعارات بالكاد نفقه مفرداتها ونبتاع بمصروفنا اليومي طوابع حمراً وخضراً لنصرة المعركة، نتبارى في جمعها ونزين بها دفاترنا.

صغارا كنا حين بكينا لبكاء الرجال الكبار وهم يلتصقون بمسامعهم للترانزستورات الصغيرة وهي تعلن هزيمتنا واستقالة القائد العربي حفاظا على ما تبقى من شرف مثلوم وكبرياء جريح.

لم نفهم بمداركنا الصغيرة لماذا خسرنا، فوطننا الذي رسمنا له خارطة وعلقناها في قاعة الدرس كبير، يمتد من المحيط إلى الخليج وفيه بلدان كثيرة.. عشرون.. واحد وعشرون.. اثنان وعشرون بلدا. وفيه رؤساء كثيرون وأعلام كثيرة.. وناس كثيرون. ها نحن نكتب 2 ثم نضع 8 أصفار ونقول مائتي مليون نسمة.. وعدونا صغير، ليس له رؤساء كثيرون وفي علمه خطان أزرقان يشبهان نهري النيل والفرات وفي وسطه نجمة لا تشبه النجوم في أعلامنا. وهذا العدو يشبه حربة نشبت في خاصرة وطننا وما زلنا ننزف من جرحها الذي لا يندمل، إذ كلما حاولنا إخراجها غارت أكثر.

ظل قائدنا العربي الذي كان الشيب يكلل فوديه كنديف الثلج، يكابر لينتشلنا من ذاك الخراب الروحي.. ويجاهد ليحيي الأمل الرميم في داخلنا، لكنه لم يتجرع مرارة الهزيمة ولم يمهله قلبه طويلا.. فأوصى الرجال بلاآت ثلاثة خشية أن ينسوها: لا تتفاوضوا، لا تتصالحوا، لا تعترفوا.. ورحل بحزن كتيم.

وبكى الرجال ثانية لموت الرجل المديد القامة وتقازمت القامات.

ورغم إحساسهم باليتم والفجيعة، عزم الرجال على يفتدوا المعركة بكل شيء وراحوا ينشدون يا أهلا بالمعارك ويتوعدون عدو الدار بالويل، ولكن فاتهم أن يستثنوا أرواح الرؤساء العرب الذين همشوا على النكسة بكلمة " يحفظ" ومهروها بإمضائهم وصمتوا. والحق كانت المرة الوحيدة التي اعترفوا بها بهزيمتهم.. فكل الخسائر التي منينا بها بعدئذ سموها انتصارات.

لا أدري لماذا يأتي الرؤساء الجدد دوما في بلادي بعد أن يظهر علينا رجل متجهم في التلفزيون ويزعق قائلا: "بيان رقم واحد" ؟.. لماذا يهوون شراء الدبابات الثقيلة المزمجرة والطائرات الخفيفة التي تحلق في السماء مثل الشهب. ها نحن مرة أخرى ندخل المعركة بجاهليتنا وبداوتنا والمعركة تتناسل معارك والمعارك حروبا نسفح فيها أرواحنا .. دماءنا.. كرامتنا.. حتى أرضنا.. فنكرم العدو أيما إكرام ونحسن وفادته وضيافته ونأبى إلا أن تكون الغلبة له.

أرى الآن رؤساء بلادي وهم ينصبون خيمة في الصحراء بعد كل معركة.. يلتقون فيها سرا بالعدو، بوجوههم المتوردة التي لم تتعفر بتراب المعركة والتي لا تفارقها الابتسامة.. بدهان رؤوسهم الأسود الفاحم اللامع.. ومؤخراتهم المكتنزة التي لم تبرح عروشها منذ قرون.

كانوا يقولون لنا في البدء كانت الكلمة.. لكن كلمتهم ذهبت أدراج الرياح. رؤساؤنا الذين أقسموا أن يصونوا اللآت الثلاث وأن يكون أمرهم شورى بينهم، تفاوضوا وتصالحوا واعترفوا وتبادلوا القبلات والأنخاب والهدايا الثمينة مع عدوهم وتجشأوا.. وتهرأ حبل الله من فرط اعتصامهم به.

ترى ما سر ولع بلادنا الكبيرة باللون الأسود..؟ فقديما كان جزء منها يسمى أرض السواد.. ثم تأسست فيها دولة اختارت اللون الأسود شعارا لها، و في تقويمنا هناك شهر أسود اسمه أيلول، وفي تأريخنا عاش إعرابي ساءه أن يرى لغتنا جرداء وقد اختلطت قراءة حروفها عليه فوضع لها نقطة واثنتين وثلاث .. يقال أن اسمه كان أبا الأسود.. وحتى الذهب الذي عثر عليه الأجانب فيها كان لونه أسود. وحين يموت الرجال يجللون واجهات بيوتهم بقماش اسود وتتوشح النساء بملابس سوداء..

والرجال في بلادنا الكبيرة يموتون دائما أو يختفون. يموتون في الحرب أو في السجون والرجال المهمون يموتون في حوادث السيارات الفارهة أو الطائرات وآخرون يذهبون إلى بلاد بعيدة اسمها منفى، لا أعرف لها حدودا ولا في أي قارة تقع، فيموتون وحيدين هناك.

كانوا يسمون من يموتون في الحرب شهداء وهم كثيرون في بلادنا الكبيرة..أذكر تلك المغنية العمياء التي تخفي عينيها بنظارة سوداء وتطوف خلفها جماجم كثيرة تردد نحن شهداء.. ثم تطوف جماجم أخرى وأخرى.. وكنا نرتعد هلعا ونغمض أعيننا كي لا نراهم. ترى هل كانوا يشيدون بجماجمهم سلما لعلم العروبة الذي أنشدنا له صغارا ؟.. ثم يظهر الرؤساء مبتسمين على شاشات التلفزيون وهم يربتون على وجوه الأطفال، وحين يسألهم الأطفال عن آبائهم يقطبون جبينهم ولا يجيبون. وامتلأت بلادنا بالجماجم ولم يعد فيها رجال."

*******

أيقظني صوت ارتطام الكتاب بالأرض.. شغلت جهاز التلفزيون... شعرت بعرق بارد يتصبب مني.. بوخز في عيني المتعبتين.. لم أصدق ما أرى.. إنها بلادي.. لن أخطئ في سمائها ولو استحالت جحيما.. لن أخطئ في نخيلها ولو استحال هياكل عجفاء.. لن أخطئ في أرضها ولو استحالت هشيما.. ألسنة النار تسري ولا تبقي على شيء.. النار تلتهم ماضيها وحاضرها.. النار تلتهم قبابها ومآذنها .. النار تلتهم أنبياءها ومرقتها و شعراءها.. النار تولد نارا.. تستطيل السنة النار.. تلتهم أرض الغرفة الخشبية.. رف الكتب الصفراء.. أشعر بسياطها تلفحني.. أشعر بها تصليني.. أشعر بغمامة سوداء تحجب عيني مثل تلك المغنية العمياء.. يتراقص الشرر في الفضاء المعتم ويطوف مثل جماجم الشهداء.. للغرفة رائحة الحرائق في بلادي... أتوسل آخر شهقة حياة.. الأطفال يكركرون في باحة المدرسة.. يدق الجرس.. الأطفال يصطفون في باحة المدرسة.. ويبدأ النشيد:

" الله اكبر الله اكبر ... الله اكبر فوق كيد المعتدي"



مدريد

20.12.2003

13‏/09‏/2009





القوس و القيثارة و نظرية الأضداد المتصالحة


في إحدى الصفحات الأخيرة من كتاب "القوس و القيثارة يذكر أوكتافيو باث :" أن إحدى صور هيراقليطس كانت نقطة انطلاق هذا الكتاب … القيثارة التي تكرس الإنسان و بذلك تمنحه موقعا في هذا الكون، و القوس الذي يطلقه إلى ما وراء ذاته"
[1]. و مما لا ريب فيه أن الصورة التي عناها الشاعر المكسيكي و التي استوحى منها عنوان كتابه هي : "إن الأضداد تذوب في وحدة واحدة، في تناسق القوى المتقابلة كقوة القوس والقيثارة"[2].
لم يكن اختيار باث لهذين المفردتين عبثا أو من قبيل المصادفة، إذ يقول الناقد مانويل أولاثيا الذي يبحث في المعاني الكثيرة التي تتفرع من مفردتي "القوس" و "القيثارة" : " إن الجمع بين القوس و القيثارة يوحي بفيض من الإشارات إلى الشعر و الموسيقى . فمفردة "القوس" تعني ذلك السلاح البدائي الذي تطلق به السهام. و من خلال القراءات المتعددة لهذا الكتاب نستشف بأن القوس هو النثر، إما المرمى أو الهدف فهو الشعر. و "القوس" هي أيضا العصا التي نجرح بها أوتار بعض الآلات الموسيقية. إما " القيثارة" (Lira) فمن بين معانيها " آلة قديمة" و " قطعة شعرية موزونة من خمسة أبيات" أو "إيحاء شعري"
[3].
شرع أوكتافيو باث في تأليف "القوس و القيثارة" في العام 1953 إثر عودته إلى المكسيك، بعد تلك الفترة التي قضاها في باريس بين العامين 1945 و 1953 . تلك السنوات التي اقترب فيها من السريالية و الوجودية و شارك في الحوارات و الجلسات التي كان يترأسها أندريه بريتون في مقاهي باريس. و لئن كان أوكتافيو باث قد عثر في السريالية على الوسيلة التي توحد بين الشعر و الثورة الأبيستمولوجية، فإن الوجودية أعانته على تأويل الحياة بمعناها و ظرفيتها، و لذلك سعى إلى المزاوجة بين كلا التيارين لترسيخ دفاعه عن الشعر.
ثم صدر كتاب "القوس و القيثارة" في العام 1956، و أعاد طبعه و تنقيحه في العام 1967 بعد إن كانت الوجودية قد اقتحمت الآداب الغربية وقوضت الكثير من المفاهيم الكلاسيكية. و على الرغم من إيمان أوكتافيو باث بعبثية و لا جدوى أية محاولة لتعريف الشعر، لكنه سعى في هذا الكتاب إلى تفسير الظاهرة الشعرية تفسيرا منهجيا و إضاءة مكونات القصيدة و مفاصلها. إلى جانب ذلك، فالكتاب في جوهره تجسيد لشاعرية باث و تأملاته في التيارات الجمالية التي سادت الشعر الأوربي الحديث ولا سيما تلك التي تميزت بأهميتها النقدية. و لعله محاولة للعثور على أجوبة لتلك الأسئلة الملحة عن ماهية الشعر التي طالما أرقته في مراهقته ـ و نقول مراهقته لأنه نشر مقالته الأولى في السابعة عشرة من عمره ـ وكذلك المفاهيم والآراء التي كان قد تصدى لها من قبل في مقالته الشهيرة " شعر الوحدة و شعر المشاركة" المنشورة في العام 1943، والتي تمثل البذرة الأولى التي ستنمو لتصبح فيما بعد "القوس و القيثارة" كما يورد في مقدمة الكتاب : "إن هذا الكتاب هو إنضاج وتطوير و استدراك، نوعا ما، لذلك النص القديم".
وبغية تحقيق عملية الإنضاج و التطوير التي يشير إليها ، لجأ باث إلى توظيف مبدأ المصالحة بين الأضداد الذي سيغدو واحدة من السمات الفارقة لنتاجه الشعري و النثري و الموضوعة الجوهرية في "القوس و القيثارة"، فهو يعتقد : "إن التطابق الذاتي بين الإنسان و العالم، بين الوعي و الكينونة و بين الكينونة و الوجود، هو إحدى عقائد الإنسان الأكثر قدما وهو الجذر الذي تفرع منه العلم و الدين و السحر و الشعر. و أفكارنا كلها إنما كانت مكرسة لاكتشاف الدرب القديم ، الطريق المهجورة للتواصل بين كلا العالمين. إن بحثنا يرمي إلى اكتشاف و تقصي التواصل الكوني بين الأضداد و انعكاس تطابقها الذاتي الأصلي"
[4].
لم يعمل أوكتافيو باث في الجزء الأول من الكتاب على تحليل الظاهرة الشعرية فحسب، بل قدم لنا مرافعة دفاع عن الشعر وعن الحضور الشعري في الأنماط التعبيرية و الإبداعية الأخرى. و هذا الدفاع إنما يقوم على: أولا،التوظيف الكامل لمعاني و دلالات الفعل الشعري، ثانيا، قدرة هذا الفعل، و أخيرا تعذر أو استحالة اختصاره. إما الأقانيم الثلاثة التي يبني عليها التعريف الذي يقترحه للشعر بوصفه فعالية أو نشاطا فهي: اللغة و الإيقاع و الصورة الشعرية.
يرى باث أن الشاعر أو المبدع يجترح في داخل العملية الشعرية أدواته الإبداعية و تقنيته الشعرية التي لا تخدم أحدا سواه و لا يمكن نقلها لغيره. وإن دور الشاعر يكمن في إنقاذ لغة المجتمع أو اللغة اليومية من استخدامها التاريخي و إعادتها إلى "حالتها الأصلية" في القصيدة. ثم يأتي الإيقاع الذي يستفيض في شرح وظيفته و أبعاده. فإذا كان ما هو شعري يمثل المادة الخام في كل عملية إبداع فني، فإن الإيقاع سيكون الجوهر و النبض الذي يحرك الصيغ التعبيرية لدى الإنسان. إن الإيقاع معنى و تأريخ و طقوس و مقياس و صورة. و لكن التقاء اللغة و الإيقاع ليس كافيا لخلق الشعر، إذ لا بد للشاعر من اللجوء إلى الصورة الشعرية التي تمثل أسمى تعبير عن مفهوم الخيال كي يحقق التكامل الإبداعي. ففي الصورة الشعرية يجدل الفكر بالشعر، و العقل بالخيال معا. و فيها تلتقي حقائق متباعدة فيما بينها و متناقضة. و الصورة الشعرية هي الحيز الإبداعي الوحيد القادر على خرق قوانين المنطق الديالكتيكي و مبدأ التناقض مثلما طرحه هيغل، أو "المستحيل المعقول" كما وصفه أرسطو في "فن الشعر". إن وظيفة الصورة الشعرية تتلخص في التعبير من خلال الصمت عما لا تقوله الكلمات.
بيد أن السريالية و الوجودية لم تكونا التيارين الوحيدين الغالبين على فكر الشاعر المكسيكي في هذا الكتاب، فتأملاته في الحركات الشعرية الأوربية الأخرى ( الإسبانية و الألمانية و الأ نجلوسكسونية) لا تقل أهمية و لا أصالة، ناهيك عن خوضه في الفلسفات و الثقافات الشرقية، إذ تكثر الإشارات إلى البوذية و التاو و الأوبانشاد. و لعلها المرة الأولى التي يبحث فيها باث في نقاط الالتقاء و الافتراق بين الحضارتين الغربية و الشرقية. و ليس في هذه المقارنات و المقابلات بين كلتا الحضارتين ما يثير الدهشة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن باث عاش بين العامين 1952 و 1953 في الهند مما أتاح له التعمق في حضارات الشرق و معرفتها عن كثب.
يكرس أوكتافيو باث الجزء الثاني من "القوس و القيثارة" لبحث العلاقة الجدلية بين الشعر و الدين من خلال البحث في مفهوم الوحي بكل تنويعاته و صوره: الإيحاء و الإلهام و الصوت الآخر الذي يسكن الشاعر والذي يشعر بحضوره مكثفا ساعة كتابة القصيدة. و هو يرى أن الإيحاء الشعري كان سابقا للوحي الديني، و يدرج الشعر في منطقة المقدس الذي يعده أحد أبعاد التجربة الشعرية. فالشعر و الدين تجربتان روحيتان تنطلقان من حوار الشاعر أو رجل الدين مع الوجود. و كلتاهما قادرتان على إنقاذ الإنسان و حمايته. وهما نابعتان من أصل واحد بكل صيغهما التعبيرية: القصائد و الأساطير و الخرافات و الصلوات و الطقوس.
و في الفصل الثالث يخوض الشاعر المكسيكي في ثنائية الشعرــ التأريخ. وهي واحد من هواجسه و من الموضوعات الراسخة في فكره التي طالما تأمل فيها منذ كتاباته الأولى. يؤكد باث أن الأواصر بين الشعر و التأريخ كانت دوما متبادلة و متناقضة و معقدة. كانت وظيفة الشعر، لاسيما الملحمي، تخليد ملاحم الشعوب و مآثرها و تدوينها و توثيقها ، إذ لا يمكن لنا أن نحيط بتأريخ الإغريق دون قراءة الإلياذة أو الأوديسة
[5]
. و من هنا كان هوميروس يجسد رمز الشاعر و الذاكرة التأريخية لشعبه. و التأريخ بدوره كان مادة و جوهرا للشعر. ثم سعى الشعر منذ ظهور الرومانسية الألمانية إلى إلغاء التناقض القائم في القصيدة بوصفها إثباتا للتأريخ و إلغاء له. و كان أعظم إنجاز للإنسان المعاصر هو وعيه التأريخ.
يختتم أوكتافيو باث كتابه، لكن تأملاته و آرائه لن تنتهي هنا، إذ سيعود إليها ثانية و ثالثة بعد أعوام في كتابيه " أبناء الصلصال" 1974 ، و "الصوت الآخر"1990 . وبقي الشعر موضوعته الأثيرة التي حرص على التأمل فيها حتى وفاته في 1998 من منظور دياليكتيكي يقوم على الجمع بين الموروث الشعري المعاصر ومستقبله و أزمة نهاية القرن العشرين.
[1] Paz, Octavio, El arco y la lira, Madrid, Fondo de Cultura Económica, 1992, p. 284.[2] Battistini, Yves, Héraclite d´Éphése, Paris, Cahiers d’Art, 1948, p.41.[3] Ulacia, Manuel, El árbol milenario, Barcelona, Galaxia – Gutenberg, 1999, p.189.[4] Paz, Octavio, El arco y la lira, p.102.[5] González, Javier, El cuerpo y la letra: La cosmología poética de Octavio Paz, FCE, México, 1990, p. 198.
نرمين إبراهيم

15‏/08‏/2008













وداعاً محمود درويش

على هذه الأرض ما يستحق الحياة

محمود درويش
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
تردد أبريل
رائحة الخبز في الفجر
آراء امرأة في الرجال
كتابات اسخيليوس
أول الحب
عشب على حجرأمهات تقفن على خيط ناي

وخوف الغزاة من الذكريات
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
نهاية أيلول
سيدة تدخل الأربعين بكامل مشمشها
ساعة الشمس في السجن
غيم يقلد سرباً من الكائنات
هتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين
وخوف الطغاة من الأغنيات
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
على هذه الأرض سيدة الارض
أمّ البدايات
أمّ النهايات
كانت تسمى فلسطين
صارت تسمى فلسطين
سيدتي أستحق لأنك سيدتي
أستحق الحياة

02‏/07‏/2008


تـأمـلات فــي المـكـان


نرمين إبراهيم

لا ريب في أن علاقة المبدع بالمكان هي علاقة متواشجة أزلية، و هي علاقة تأثير و تأثّر و أخذ و عطاء متبادلين. فمذ وجد المكان، وجد الإبداع بصورته الفطرية و البدائية .. فكان الفن و كان الشعر و كانت الرواية و كل ضروب الأدب الأخرى. و لكن لابد لنا هنا من أن نميّز بين "مكانين": أولاً، المكان بمعناه الجغرافي.. البيئي الذي ينشأ الإبداع فيه و يزدهر، و حيث يصنع المبدع فيه تجربته و يصقلها، و ثانياً: المكان بوصفه واحداً من الأقانيم الرئيسة و الفاعلة داخل العمل الإبداعي ـ إلى جانب الزمان و الحدث و الشخوص و ما إلى غير ذلك. فالأول يقع خارج العمل الإبداعي و الثاني يقع داخله. و في أحيان كثيرة يتداخل "الخارج" مع "الداخل" و يغدو المبدع حلقة الوصل بينهما. من هنا بات المكان هو الوعاء الذي احتوى الإبداع و الأساس الذي نهض فوقه. و لا أظننا، في حالة غيابه، نستطيع أن نتصور كل هذا المنجز الإنساني و قد خلق دونما مكان أو في " اللامكان"، و لذلك كان لابد من إيثاكا و من طيبة و من طروادة و من الأندلس و من الحواضر الأخرى كلها ليتشكل التأريخ و الشعر و الملاحم جميعاً.
و الطريف في الأمر أن مفردة "مكان" تختزل بأحرفها الأربعة العالم بأسره.. بقاراته و بحاره.. بأوطانه و منافيه.. و بسجونه و شطآنه.. بيد أن المكان في الأدب ليس رقعة جغرافية ذات حدود معلومة و مرسمة، بل إنه يفوق الجغرافيا و الأطالس و خطوط الطول و العرض مساحة و عمقا و تضاريس، إذ حسبنا أن نسمي مكاناً ما كي نستحضر كل تأريخه و لغته و طقوسه و موروثه الحضاري.
و للمكان صور و مسميات لا حصر لها.. فلكل شاعر أو روائي مكانه بل أمكنته و الشواهد كثيرة حتى ليتعذر علينا أن نوردها كاملة، و خارطة الأبداع الشعري و الروائي تعج بالأسماء و الأمكنة. فقد اختار هنري باربوس غرفة بائسة لتستعر فيها نيران "جحيمه" و اتخذ جبرا إبراهيم جبرا متن "سفينة" لتغدو مسرحاً لأحداث روايته، و آثر همنغواي البحر و عبابه مكانا لمغامرة شيخه، إما خوان رولفو فقد نبش قبور كومالا ليخرج منها بيدرو بارامو. و لما استنفد بعضهم الواقع، نقبوا في مخيلاتهم عن مدن وهمية أخرى أو يوتوبيات كيما يشيدوا عوالمهم الروائية، فابتدع غارثيا ماركيث "ماكوندو" و شيد عبد الرحمن منيف من رمال الصحراء القاحلة "وادي حران"، و اهتدى جبرا و منيف معاً إلى "عمورية" في "عالم بلا خرائط". و استحال المكان في هذه الروايات ، و سواها كثير، البطل الحق و المحرك الرئيس لمجريات أحداثها.
و لو عدنا إلى الشعر لوجدنا أن علاقة الشاعر لا تقل حميمية و لا الفة. فمنذ فجر الشعر العربي كان الشاعر يستهل قصيدته بالوقوف على الأطلال الدوارس متذكراً "دار ميّة" أو باكياً من "ذكرى حبيب و منزل". ثم ألفيناه يستودع "الله في بغداد له قمراً" و يتغزل "بعيون المها بين الرصافة و الجسر". و على امتداد التأريخ الشعري كان تعلق الشاعر بالمكان يفوق حبه لحبيبته و تشببه بها و بقى المكان هو "أول منزل" سيستأثر بحنينه أبداً.
توطدت هذه العلاقة و ترسخت بين شعراء القرن العشرين بـتأثير التطور الذي اختصر المسافات و سهّل من عملية التنقل و الترحال. و اكتسب المكان أبعاداً جديدة و قيماً جمالية و رمزية لم تطرق من قبل. و لو استثنينا أراغون و "عيون إلزاه"، لوجدنا عدداً هائلا من الشعراء و قد مهروا قصائدهم باسماء لأمكنة متعددة. فهل أعلن رسول حمزاتوف حبيبة له سوى "داغستان"؟ و هل وهب بابلو نيرودا قلبه لغير "اسبانيا" و ذكرياته لسوى "إيسلا نيغرا". و كذلك لوركا، بالرغم من روحه المفعمة بغرناطته و بذلك " الدويندة" الأندلسي الذي يتملكها، إلا إنه لم يتوان عن أن يسم واحداً من أشهر دواوينه باسم نيويورك. و في أحيان أخرى، يتضائل المكان ليغدو محض زنزانة عفنة يبدع فيها ناظم حكمت أروع أشعاره، أو محض مستشفى مقيت يلفظ فيه السياب أو امل دنقل آخر أشعارهما.
لقد ألهمت الشعراء قصائدهم و أججت قرائحهم و أمدتهم بصور شعرية أخاذة و بمشاعر جياشة. و لما ضاقت بهم جغرافياهم شرعوا بالبحث عن مدن وهمية و أمكنة خيالية ينشدون فيها خلاصهم و حريتهم أو يبثون فيها عن تجاررب بكر ينضفر فيها الماضي و الحاضر و الحلم، فلاذوا بغرناطة و قرطبة فردوساً مفقوداً و مستعاراً أبدا في ذاكرة الشعراء العرب و عثر شعراء و كتاب أوربا وأمريكا و أمريكا اللاتينية على ضالتهم في الشرق الذي أسرهم بغموضه و سحره و طقوسه فغرفوا منه و نهلوا و أغنوا نتاجهم الشعري و الروائي، فتجسد هذا الشرق بروعة متناهية في روايات بقيت خالدة في ذاكرة القراء: "الأرض الطيبة" و "سدهارتا" و "رباعية الإسكندرية" و سواها كثير.
إذاً، لقد كانت العلاقة بين المبدع و المكان و ستبقى حميمة وثيقة، بل هي معادلة يصعب التفريط بأحد طرفيها. و لئن استمد المبدعون من المكان تجاربهم بكل ما فيها من ألق و بهاء.. و لوعة و ألم ، فإنما منحوه لقاء ذلك خلوده و بقاءه.. و لكن كلاً بحسب رؤيته و تفاعله و اندماجه به
.

08‏/06‏/2008


ليس سوى العراق

محمود درويش


أتذكّر السيّاب، يصرخ في الخليج سُدى
عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق..ولا يردُّ سوى الصدى
أتذكّر السيّاب، في هذا الفضاء السُّومري
تغًلبت أنثى على عُقم السديم،وأورثَتْنا السيّاب
ان الشعر يولد في العراق،
فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي
أتذكّر السيّاب... لم يجدِ الحياة كما تخيّل
بين دجلةَ والفراتِ، فلم يفكر مثل
جلجامش بأعشاب الخلود. ولم يفكر بالقيامة
بعدها...
أتذكر السيّاب... يأخذ عن حمورابي الشرائعَ
كي يغطّي سَوْءةً ويسير نحو ضريحه
أتذكّر السيّاب، حين أُصابُ بالحمّى وأهذى:
إخوتي كانوا يعدّون العشاء لجيش هولاكو،
ولا خَدَمٌ سواهم... إخوتي
أتذكر السيّاب... لم نحلم بما لا يستحق
النَّحل من قُوت، ولم نحلم بأكثر من
يدين صغيرتين تصافحان غيابنا..
أتذكر السيّاب... حدّادون موتَى ينهضون
من القبور ويصنعون قيودنا!
أتذكر السيّاب... إنّ الشعر تجربة ومنفى،
توأمان ونحن لم نحلم بأكثر من حياةكالحياة،
وان نموت على طريقتنا:
عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق

02‏/06‏/2008



مخطوطة لتاريخ قادم

نرمين إبراهيم

حييت سفحك عن بعد فحييني يا دجلة الخير يا أم البساتين
تتململ عظام الشاعر الغريب المسجاة في مقبرة الغرباء إذ لم يُنسج كفنه من "ذاك الشراع الرخص" كما تمنى، و دجلة كهل مثخن بجراح آلاف من الأعوام يمضي صامتا لا يحير سلاما. يروي حكاياته بصمت و ينوء بحمل آلاف الكتب التي استقرت في قاعه و بتأريخ وسمته الحروب و الغزوات و الحرائق و الطغاة و الدمار.
حييت سفحك ظمآنا ألوذ به...
وذؤابات النخيل تعانق حمرة الشفق التي خلفتها حفنة من دم الحسين ألقى بها نحو السماء ساعة كانت الروح تفارقه فيها ويتوسل النهر الصامت قطرة ماء، و دجلة لا يجد ما يروي به ظمأ الشاعر و لا ظمأ الحسين.
حييت سفحك... و الحلاج يحشرج "أنا الحق" وهو يهوي من أعلى المنارة فتمتزج حشرجاته بتكبيرات المؤذن ، و أمواج دجلة تردد "أنا الحق" كلما حلت ساعة وضوئه و تمضي منتحبة.
و قالوا صلبوه و بتروا يديه و قدميه و استأصلوا رأسه و سملوا عينيه و جدعوا أنفه و أذنيه و قطعوا لسانه فخطت دماؤه على الثرى لفظة الله ثم لفوه بحصيرة و أضرموا النار فيه و ذروا رماده من أعلى المنارة و لم يسكتوا هتافه "أنا الحق". و الحق يشهد في ملكوته ما حل بمريده و لم يحرك ساكنا.
حييت سفحك...و في كل البيوت مهدي منتظر تفتش عنه الأمهات الموشحات بالسواد في السجون و المخافر و المنافي و المقابر و لا يعثرن له على أثر.
حييت سفحك... و في كل عام يوقدن شموعهن ويحطنها بوريقات الآس و البخور و يضعنها على قطع شُجّت من كرب النخيل المخضب بالحناء و يودعهن النهر المنطوي على أسرار نذور صامتة صمت حكيم بوذي يبشر بلا كلمات. و أرتال الغزاة مازالت تتهادى بين الرصافة و الجسر و تستفئ بظل باسقات النخيل.
حييت سفحك... و أبو محسد يترجل من قاعدة تمثاله إذ لم يعد بوسعه أن ينام ملأ جفونه عن حرائقها لينجو بأشلاء قصائده التي التهمتها النيران وقد بحّ صوته دون أن تسمع كلماته من بهم صمم أو ينظر العمي إلى أدبه. يستجير بسيف الدولة الذي فر وخلف قصوره و قيانه نهبا للصوص و الحرائق وما من مجير.
يا دجلة الخير، يا أطياف ساحرة يا خمر خابية في ظل عرجون
والنواسي في مجلس أنسه يحتسي الخمرة حتى الثمالة، ييمم وجهه شطر النهر و يحمي ناصية الشارع بكأسه المستلة و يتغزل بغلمان شقر غزوا البلاد .
حييت سفحك... و في الليلة الثانية بعد الألف استباح الجند الشقر مخدع شهرزاد فسكتت عن الكلام المباح و شهريار ممدد على أريكته. و عبر النهر كان المنصور ينتحب بصمت و هو يشهد مدينته المدورة تتهاوى وسط الحرائق

2003/04/25