نرمين إبراهيم
اليوم.. بعد خمسة وثلاثين عاما، كتب علي أن أحيا أو أن أشقى ـ سيان عندي ـ في هذه البلاد التي يسمونها المنفى والتي لا أعرف لها حدودا ولا في أي قارة تقع.. عاد ذاك الهدير البعيد ليصم مسامعي نهارا ويقض مضجعي ليلا.. رغم صخب هذه البلاد التي تتقيأ من جوفها آلاف البشر الممحوي القسمات بلا انقطاع.. وضجيج القطارات الخانقة الهادرة في أحشائها.. ألتقط سماعة الهاتف للمرة الألف وأدير القرص.. يطول بي الانتظار دقائق.. ساعات.. قرونا.. أسمع جلبة وأزيزا.. يرد علي صوت آلي بنبرة مقيتة:
"آسفة .. البلد الذي طلبته لم يعد موجودا.. تأكد من الاسم ثانية رجاء..
آسفة.. البلد الذي طلبته لم يعد موجودا.. تأكد من الاسم ثانية.
آسفة.. البلد الذي طلبته لم يعد موجودا....."
عادت المطارق تهوي على رأسي.... والهدير يصم مسامعي.. فمنذ ليال وأنا لا أجد للنوم سبيلا.. أشعر برأسي ثقيلا مهشما.. بخدر يدب في جسدي المنهك.. ارتمي بإعياء على الكرسي المتهرئ.. وأحاول أن أشاغل نفسي.. علني أسكت قرع الطبول في أذني.. أمد يدا راعشة وأستل كتابا اصفرت أوراقه وتآكلت.. وأقرأ:
"نيسان أقسى الشهور
يخرج الليلك من الأرض الثكلى،
يمزج الذكريات والرغائب
يهز الجذور مع مطر الربيع"
*********
"صغارا كنا لما يخفت في ذاكراتنا الصغيرة بعد هدير "الله اكبر" الذي رددناه أيام حزيران الخمسة القائظة ونحصي بما حفظناه توا من جدول الحساب طائرات العدو المتهاوية.
صغارا كنا حين رحنا نحفظ أول مفردات قاموسنا السياسي.. نتلعثم بشعارات بالكاد نفقه مفرداتها ونبتاع بمصروفنا اليومي طوابع حمراً وخضراً لنصرة المعركة، نتبارى في جمعها ونزين بها دفاترنا.
صغارا كنا حين بكينا لبكاء الرجال الكبار وهم يلتصقون بمسامعهم للترانزستورات الصغيرة وهي تعلن هزيمتنا واستقالة القائد العربي حفاظا على ما تبقى من شرف مثلوم وكبرياء جريح.
لم نفهم بمداركنا الصغيرة لماذا خسرنا، فوطننا الذي رسمنا له خارطة وعلقناها في قاعة الدرس كبير، يمتد من المحيط إلى الخليج وفيه بلدان كثيرة.. عشرون.. واحد وعشرون.. اثنان وعشرون بلدا. وفيه رؤساء كثيرون وأعلام كثيرة.. وناس كثيرون. ها نحن نكتب 2 ثم نضع 8 أصفار ونقول مائتي مليون نسمة.. وعدونا صغير، ليس له رؤساء كثيرون وفي علمه خطان أزرقان يشبهان نهري النيل والفرات وفي وسطه نجمة لا تشبه النجوم في أعلامنا. وهذا العدو يشبه حربة نشبت في خاصرة وطننا وما زلنا ننزف من جرحها الذي لا يندمل، إذ كلما حاولنا إخراجها غارت أكثر.
ظل قائدنا العربي الذي كان الشيب يكلل فوديه كنديف الثلج، يكابر لينتشلنا من ذاك الخراب الروحي.. ويجاهد ليحيي الأمل الرميم في داخلنا، لكنه لم يتجرع مرارة الهزيمة ولم يمهله قلبه طويلا.. فأوصى الرجال بلاآت ثلاثة خشية أن ينسوها: لا تتفاوضوا، لا تتصالحوا، لا تعترفوا.. ورحل بحزن كتيم.
وبكى الرجال ثانية لموت الرجل المديد القامة وتقازمت القامات.
ورغم إحساسهم باليتم والفجيعة، عزم الرجال على يفتدوا المعركة بكل شيء وراحوا ينشدون يا أهلا بالمعارك ويتوعدون عدو الدار بالويل، ولكن فاتهم أن يستثنوا أرواح الرؤساء العرب الذين همشوا على النكسة بكلمة " يحفظ" ومهروها بإمضائهم وصمتوا. والحق كانت المرة الوحيدة التي اعترفوا بها بهزيمتهم.. فكل الخسائر التي منينا بها بعدئذ سموها انتصارات.
لا أدري لماذا يأتي الرؤساء الجدد دوما في بلادي بعد أن يظهر علينا رجل متجهم في التلفزيون ويزعق قائلا: "بيان رقم واحد" ؟.. لماذا يهوون شراء الدبابات الثقيلة المزمجرة والطائرات الخفيفة التي تحلق في السماء مثل الشهب. ها نحن مرة أخرى ندخل المعركة بجاهليتنا وبداوتنا والمعركة تتناسل معارك والمعارك حروبا نسفح فيها أرواحنا .. دماءنا.. كرامتنا.. حتى أرضنا.. فنكرم العدو أيما إكرام ونحسن وفادته وضيافته ونأبى إلا أن تكون الغلبة له.
أرى الآن رؤساء بلادي وهم ينصبون خيمة في الصحراء بعد كل معركة.. يلتقون فيها سرا بالعدو، بوجوههم المتوردة التي لم تتعفر بتراب المعركة والتي لا تفارقها الابتسامة.. بدهان رؤوسهم الأسود الفاحم اللامع.. ومؤخراتهم المكتنزة التي لم تبرح عروشها منذ قرون.
كانوا يقولون لنا في البدء كانت الكلمة.. لكن كلمتهم ذهبت أدراج الرياح. رؤساؤنا الذين أقسموا أن يصونوا اللآت الثلاث وأن يكون أمرهم شورى بينهم، تفاوضوا وتصالحوا واعترفوا وتبادلوا القبلات والأنخاب والهدايا الثمينة مع عدوهم وتجشأوا.. وتهرأ حبل الله من فرط اعتصامهم به.
ترى ما سر ولع بلادنا الكبيرة باللون الأسود..؟ فقديما كان جزء منها يسمى أرض السواد.. ثم تأسست فيها دولة اختارت اللون الأسود شعارا لها، و في تقويمنا هناك شهر أسود اسمه أيلول، وفي تأريخنا عاش إعرابي ساءه أن يرى لغتنا جرداء وقد اختلطت قراءة حروفها عليه فوضع لها نقطة واثنتين وثلاث .. يقال أن اسمه كان أبا الأسود.. وحتى الذهب الذي عثر عليه الأجانب فيها كان لونه أسود. وحين يموت الرجال يجللون واجهات بيوتهم بقماش اسود وتتوشح النساء بملابس سوداء..
والرجال في بلادنا الكبيرة يموتون دائما أو يختفون. يموتون في الحرب أو في السجون والرجال المهمون يموتون في حوادث السيارات الفارهة أو الطائرات وآخرون يذهبون إلى بلاد بعيدة اسمها منفى، لا أعرف لها حدودا ولا في أي قارة تقع، فيموتون وحيدين هناك.
كانوا يسمون من يموتون في الحرب شهداء وهم كثيرون في بلادنا الكبيرة..أذكر تلك المغنية العمياء التي تخفي عينيها بنظارة سوداء وتطوف خلفها جماجم كثيرة تردد نحن شهداء.. ثم تطوف جماجم أخرى وأخرى.. وكنا نرتعد هلعا ونغمض أعيننا كي لا نراهم. ترى هل كانوا يشيدون بجماجمهم سلما لعلم العروبة الذي أنشدنا له صغارا ؟.. ثم يظهر الرؤساء مبتسمين على شاشات التلفزيون وهم يربتون على وجوه الأطفال، وحين يسألهم الأطفال عن آبائهم يقطبون جبينهم ولا يجيبون. وامتلأت بلادنا بالجماجم ولم يعد فيها رجال."
*******
أيقظني صوت ارتطام الكتاب بالأرض.. شغلت جهاز التلفزيون... شعرت بعرق بارد يتصبب مني.. بوخز في عيني المتعبتين.. لم أصدق ما أرى.. إنها بلادي.. لن أخطئ في سمائها ولو استحالت جحيما.. لن أخطئ في نخيلها ولو استحال هياكل عجفاء.. لن أخطئ في أرضها ولو استحالت هشيما.. ألسنة النار تسري ولا تبقي على شيء.. النار تلتهم ماضيها وحاضرها.. النار تلتهم قبابها ومآذنها .. النار تلتهم أنبياءها ومرقتها و شعراءها.. النار تولد نارا.. تستطيل السنة النار.. تلتهم أرض الغرفة الخشبية.. رف الكتب الصفراء.. أشعر بسياطها تلفحني.. أشعر بها تصليني.. أشعر بغمامة سوداء تحجب عيني مثل تلك المغنية العمياء.. يتراقص الشرر في الفضاء المعتم ويطوف مثل جماجم الشهداء.. للغرفة رائحة الحرائق في بلادي... أتوسل آخر شهقة حياة.. الأطفال يكركرون في باحة المدرسة.. يدق الجرس.. الأطفال يصطفون في باحة المدرسة.. ويبدأ النشيد:
" الله اكبر الله اكبر ... الله اكبر فوق كيد المعتدي"
مدريد
20.12.2003
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق