13‏/09‏/2009





القوس و القيثارة و نظرية الأضداد المتصالحة


في إحدى الصفحات الأخيرة من كتاب "القوس و القيثارة يذكر أوكتافيو باث :" أن إحدى صور هيراقليطس كانت نقطة انطلاق هذا الكتاب … القيثارة التي تكرس الإنسان و بذلك تمنحه موقعا في هذا الكون، و القوس الذي يطلقه إلى ما وراء ذاته"
[1]. و مما لا ريب فيه أن الصورة التي عناها الشاعر المكسيكي و التي استوحى منها عنوان كتابه هي : "إن الأضداد تذوب في وحدة واحدة، في تناسق القوى المتقابلة كقوة القوس والقيثارة"[2].
لم يكن اختيار باث لهذين المفردتين عبثا أو من قبيل المصادفة، إذ يقول الناقد مانويل أولاثيا الذي يبحث في المعاني الكثيرة التي تتفرع من مفردتي "القوس" و "القيثارة" : " إن الجمع بين القوس و القيثارة يوحي بفيض من الإشارات إلى الشعر و الموسيقى . فمفردة "القوس" تعني ذلك السلاح البدائي الذي تطلق به السهام. و من خلال القراءات المتعددة لهذا الكتاب نستشف بأن القوس هو النثر، إما المرمى أو الهدف فهو الشعر. و "القوس" هي أيضا العصا التي نجرح بها أوتار بعض الآلات الموسيقية. إما " القيثارة" (Lira) فمن بين معانيها " آلة قديمة" و " قطعة شعرية موزونة من خمسة أبيات" أو "إيحاء شعري"
[3].
شرع أوكتافيو باث في تأليف "القوس و القيثارة" في العام 1953 إثر عودته إلى المكسيك، بعد تلك الفترة التي قضاها في باريس بين العامين 1945 و 1953 . تلك السنوات التي اقترب فيها من السريالية و الوجودية و شارك في الحوارات و الجلسات التي كان يترأسها أندريه بريتون في مقاهي باريس. و لئن كان أوكتافيو باث قد عثر في السريالية على الوسيلة التي توحد بين الشعر و الثورة الأبيستمولوجية، فإن الوجودية أعانته على تأويل الحياة بمعناها و ظرفيتها، و لذلك سعى إلى المزاوجة بين كلا التيارين لترسيخ دفاعه عن الشعر.
ثم صدر كتاب "القوس و القيثارة" في العام 1956، و أعاد طبعه و تنقيحه في العام 1967 بعد إن كانت الوجودية قد اقتحمت الآداب الغربية وقوضت الكثير من المفاهيم الكلاسيكية. و على الرغم من إيمان أوكتافيو باث بعبثية و لا جدوى أية محاولة لتعريف الشعر، لكنه سعى في هذا الكتاب إلى تفسير الظاهرة الشعرية تفسيرا منهجيا و إضاءة مكونات القصيدة و مفاصلها. إلى جانب ذلك، فالكتاب في جوهره تجسيد لشاعرية باث و تأملاته في التيارات الجمالية التي سادت الشعر الأوربي الحديث ولا سيما تلك التي تميزت بأهميتها النقدية. و لعله محاولة للعثور على أجوبة لتلك الأسئلة الملحة عن ماهية الشعر التي طالما أرقته في مراهقته ـ و نقول مراهقته لأنه نشر مقالته الأولى في السابعة عشرة من عمره ـ وكذلك المفاهيم والآراء التي كان قد تصدى لها من قبل في مقالته الشهيرة " شعر الوحدة و شعر المشاركة" المنشورة في العام 1943، والتي تمثل البذرة الأولى التي ستنمو لتصبح فيما بعد "القوس و القيثارة" كما يورد في مقدمة الكتاب : "إن هذا الكتاب هو إنضاج وتطوير و استدراك، نوعا ما، لذلك النص القديم".
وبغية تحقيق عملية الإنضاج و التطوير التي يشير إليها ، لجأ باث إلى توظيف مبدأ المصالحة بين الأضداد الذي سيغدو واحدة من السمات الفارقة لنتاجه الشعري و النثري و الموضوعة الجوهرية في "القوس و القيثارة"، فهو يعتقد : "إن التطابق الذاتي بين الإنسان و العالم، بين الوعي و الكينونة و بين الكينونة و الوجود، هو إحدى عقائد الإنسان الأكثر قدما وهو الجذر الذي تفرع منه العلم و الدين و السحر و الشعر. و أفكارنا كلها إنما كانت مكرسة لاكتشاف الدرب القديم ، الطريق المهجورة للتواصل بين كلا العالمين. إن بحثنا يرمي إلى اكتشاف و تقصي التواصل الكوني بين الأضداد و انعكاس تطابقها الذاتي الأصلي"
[4].
لم يعمل أوكتافيو باث في الجزء الأول من الكتاب على تحليل الظاهرة الشعرية فحسب، بل قدم لنا مرافعة دفاع عن الشعر وعن الحضور الشعري في الأنماط التعبيرية و الإبداعية الأخرى. و هذا الدفاع إنما يقوم على: أولا،التوظيف الكامل لمعاني و دلالات الفعل الشعري، ثانيا، قدرة هذا الفعل، و أخيرا تعذر أو استحالة اختصاره. إما الأقانيم الثلاثة التي يبني عليها التعريف الذي يقترحه للشعر بوصفه فعالية أو نشاطا فهي: اللغة و الإيقاع و الصورة الشعرية.
يرى باث أن الشاعر أو المبدع يجترح في داخل العملية الشعرية أدواته الإبداعية و تقنيته الشعرية التي لا تخدم أحدا سواه و لا يمكن نقلها لغيره. وإن دور الشاعر يكمن في إنقاذ لغة المجتمع أو اللغة اليومية من استخدامها التاريخي و إعادتها إلى "حالتها الأصلية" في القصيدة. ثم يأتي الإيقاع الذي يستفيض في شرح وظيفته و أبعاده. فإذا كان ما هو شعري يمثل المادة الخام في كل عملية إبداع فني، فإن الإيقاع سيكون الجوهر و النبض الذي يحرك الصيغ التعبيرية لدى الإنسان. إن الإيقاع معنى و تأريخ و طقوس و مقياس و صورة. و لكن التقاء اللغة و الإيقاع ليس كافيا لخلق الشعر، إذ لا بد للشاعر من اللجوء إلى الصورة الشعرية التي تمثل أسمى تعبير عن مفهوم الخيال كي يحقق التكامل الإبداعي. ففي الصورة الشعرية يجدل الفكر بالشعر، و العقل بالخيال معا. و فيها تلتقي حقائق متباعدة فيما بينها و متناقضة. و الصورة الشعرية هي الحيز الإبداعي الوحيد القادر على خرق قوانين المنطق الديالكتيكي و مبدأ التناقض مثلما طرحه هيغل، أو "المستحيل المعقول" كما وصفه أرسطو في "فن الشعر". إن وظيفة الصورة الشعرية تتلخص في التعبير من خلال الصمت عما لا تقوله الكلمات.
بيد أن السريالية و الوجودية لم تكونا التيارين الوحيدين الغالبين على فكر الشاعر المكسيكي في هذا الكتاب، فتأملاته في الحركات الشعرية الأوربية الأخرى ( الإسبانية و الألمانية و الأ نجلوسكسونية) لا تقل أهمية و لا أصالة، ناهيك عن خوضه في الفلسفات و الثقافات الشرقية، إذ تكثر الإشارات إلى البوذية و التاو و الأوبانشاد. و لعلها المرة الأولى التي يبحث فيها باث في نقاط الالتقاء و الافتراق بين الحضارتين الغربية و الشرقية. و ليس في هذه المقارنات و المقابلات بين كلتا الحضارتين ما يثير الدهشة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن باث عاش بين العامين 1952 و 1953 في الهند مما أتاح له التعمق في حضارات الشرق و معرفتها عن كثب.
يكرس أوكتافيو باث الجزء الثاني من "القوس و القيثارة" لبحث العلاقة الجدلية بين الشعر و الدين من خلال البحث في مفهوم الوحي بكل تنويعاته و صوره: الإيحاء و الإلهام و الصوت الآخر الذي يسكن الشاعر والذي يشعر بحضوره مكثفا ساعة كتابة القصيدة. و هو يرى أن الإيحاء الشعري كان سابقا للوحي الديني، و يدرج الشعر في منطقة المقدس الذي يعده أحد أبعاد التجربة الشعرية. فالشعر و الدين تجربتان روحيتان تنطلقان من حوار الشاعر أو رجل الدين مع الوجود. و كلتاهما قادرتان على إنقاذ الإنسان و حمايته. وهما نابعتان من أصل واحد بكل صيغهما التعبيرية: القصائد و الأساطير و الخرافات و الصلوات و الطقوس.
و في الفصل الثالث يخوض الشاعر المكسيكي في ثنائية الشعرــ التأريخ. وهي واحد من هواجسه و من الموضوعات الراسخة في فكره التي طالما تأمل فيها منذ كتاباته الأولى. يؤكد باث أن الأواصر بين الشعر و التأريخ كانت دوما متبادلة و متناقضة و معقدة. كانت وظيفة الشعر، لاسيما الملحمي، تخليد ملاحم الشعوب و مآثرها و تدوينها و توثيقها ، إذ لا يمكن لنا أن نحيط بتأريخ الإغريق دون قراءة الإلياذة أو الأوديسة
[5]
. و من هنا كان هوميروس يجسد رمز الشاعر و الذاكرة التأريخية لشعبه. و التأريخ بدوره كان مادة و جوهرا للشعر. ثم سعى الشعر منذ ظهور الرومانسية الألمانية إلى إلغاء التناقض القائم في القصيدة بوصفها إثباتا للتأريخ و إلغاء له. و كان أعظم إنجاز للإنسان المعاصر هو وعيه التأريخ.
يختتم أوكتافيو باث كتابه، لكن تأملاته و آرائه لن تنتهي هنا، إذ سيعود إليها ثانية و ثالثة بعد أعوام في كتابيه " أبناء الصلصال" 1974 ، و "الصوت الآخر"1990 . وبقي الشعر موضوعته الأثيرة التي حرص على التأمل فيها حتى وفاته في 1998 من منظور دياليكتيكي يقوم على الجمع بين الموروث الشعري المعاصر ومستقبله و أزمة نهاية القرن العشرين.
[1] Paz, Octavio, El arco y la lira, Madrid, Fondo de Cultura Económica, 1992, p. 284.[2] Battistini, Yves, Héraclite d´Éphése, Paris, Cahiers d’Art, 1948, p.41.[3] Ulacia, Manuel, El árbol milenario, Barcelona, Galaxia – Gutenberg, 1999, p.189.[4] Paz, Octavio, El arco y la lira, p.102.[5] González, Javier, El cuerpo y la letra: La cosmología poética de Octavio Paz, FCE, México, 1990, p. 198.
نرمين إبراهيم

ليست هناك تعليقات: