08‏/06‏/2008


ليس سوى العراق

محمود درويش


أتذكّر السيّاب، يصرخ في الخليج سُدى
عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق..ولا يردُّ سوى الصدى
أتذكّر السيّاب، في هذا الفضاء السُّومري
تغًلبت أنثى على عُقم السديم،وأورثَتْنا السيّاب
ان الشعر يولد في العراق،
فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي
أتذكّر السيّاب... لم يجدِ الحياة كما تخيّل
بين دجلةَ والفراتِ، فلم يفكر مثل
جلجامش بأعشاب الخلود. ولم يفكر بالقيامة
بعدها...
أتذكر السيّاب... يأخذ عن حمورابي الشرائعَ
كي يغطّي سَوْءةً ويسير نحو ضريحه
أتذكّر السيّاب، حين أُصابُ بالحمّى وأهذى:
إخوتي كانوا يعدّون العشاء لجيش هولاكو،
ولا خَدَمٌ سواهم... إخوتي
أتذكر السيّاب... لم نحلم بما لا يستحق
النَّحل من قُوت، ولم نحلم بأكثر من
يدين صغيرتين تصافحان غيابنا..
أتذكر السيّاب... حدّادون موتَى ينهضون
من القبور ويصنعون قيودنا!
أتذكر السيّاب... إنّ الشعر تجربة ومنفى،
توأمان ونحن لم نحلم بأكثر من حياةكالحياة،
وان نموت على طريقتنا:
عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق

02‏/06‏/2008



مخطوطة لتاريخ قادم

نرمين إبراهيم

حييت سفحك عن بعد فحييني يا دجلة الخير يا أم البساتين
تتململ عظام الشاعر الغريب المسجاة في مقبرة الغرباء إذ لم يُنسج كفنه من "ذاك الشراع الرخص" كما تمنى، و دجلة كهل مثخن بجراح آلاف من الأعوام يمضي صامتا لا يحير سلاما. يروي حكاياته بصمت و ينوء بحمل آلاف الكتب التي استقرت في قاعه و بتأريخ وسمته الحروب و الغزوات و الحرائق و الطغاة و الدمار.
حييت سفحك ظمآنا ألوذ به...
وذؤابات النخيل تعانق حمرة الشفق التي خلفتها حفنة من دم الحسين ألقى بها نحو السماء ساعة كانت الروح تفارقه فيها ويتوسل النهر الصامت قطرة ماء، و دجلة لا يجد ما يروي به ظمأ الشاعر و لا ظمأ الحسين.
حييت سفحك... و الحلاج يحشرج "أنا الحق" وهو يهوي من أعلى المنارة فتمتزج حشرجاته بتكبيرات المؤذن ، و أمواج دجلة تردد "أنا الحق" كلما حلت ساعة وضوئه و تمضي منتحبة.
و قالوا صلبوه و بتروا يديه و قدميه و استأصلوا رأسه و سملوا عينيه و جدعوا أنفه و أذنيه و قطعوا لسانه فخطت دماؤه على الثرى لفظة الله ثم لفوه بحصيرة و أضرموا النار فيه و ذروا رماده من أعلى المنارة و لم يسكتوا هتافه "أنا الحق". و الحق يشهد في ملكوته ما حل بمريده و لم يحرك ساكنا.
حييت سفحك...و في كل البيوت مهدي منتظر تفتش عنه الأمهات الموشحات بالسواد في السجون و المخافر و المنافي و المقابر و لا يعثرن له على أثر.
حييت سفحك... و في كل عام يوقدن شموعهن ويحطنها بوريقات الآس و البخور و يضعنها على قطع شُجّت من كرب النخيل المخضب بالحناء و يودعهن النهر المنطوي على أسرار نذور صامتة صمت حكيم بوذي يبشر بلا كلمات. و أرتال الغزاة مازالت تتهادى بين الرصافة و الجسر و تستفئ بظل باسقات النخيل.
حييت سفحك... و أبو محسد يترجل من قاعدة تمثاله إذ لم يعد بوسعه أن ينام ملأ جفونه عن حرائقها لينجو بأشلاء قصائده التي التهمتها النيران وقد بحّ صوته دون أن تسمع كلماته من بهم صمم أو ينظر العمي إلى أدبه. يستجير بسيف الدولة الذي فر وخلف قصوره و قيانه نهبا للصوص و الحرائق وما من مجير.
يا دجلة الخير، يا أطياف ساحرة يا خمر خابية في ظل عرجون
والنواسي في مجلس أنسه يحتسي الخمرة حتى الثمالة، ييمم وجهه شطر النهر و يحمي ناصية الشارع بكأسه المستلة و يتغزل بغلمان شقر غزوا البلاد .
حييت سفحك... و في الليلة الثانية بعد الألف استباح الجند الشقر مخدع شهرزاد فسكتت عن الكلام المباح و شهريار ممدد على أريكته. و عبر النهر كان المنصور ينتحب بصمت و هو يشهد مدينته المدورة تتهاوى وسط الحرائق

2003/04/25