‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل

02‏/07‏/2008


تـأمـلات فــي المـكـان


نرمين إبراهيم

لا ريب في أن علاقة المبدع بالمكان هي علاقة متواشجة أزلية، و هي علاقة تأثير و تأثّر و أخذ و عطاء متبادلين. فمذ وجد المكان، وجد الإبداع بصورته الفطرية و البدائية .. فكان الفن و كان الشعر و كانت الرواية و كل ضروب الأدب الأخرى. و لكن لابد لنا هنا من أن نميّز بين "مكانين": أولاً، المكان بمعناه الجغرافي.. البيئي الذي ينشأ الإبداع فيه و يزدهر، و حيث يصنع المبدع فيه تجربته و يصقلها، و ثانياً: المكان بوصفه واحداً من الأقانيم الرئيسة و الفاعلة داخل العمل الإبداعي ـ إلى جانب الزمان و الحدث و الشخوص و ما إلى غير ذلك. فالأول يقع خارج العمل الإبداعي و الثاني يقع داخله. و في أحيان كثيرة يتداخل "الخارج" مع "الداخل" و يغدو المبدع حلقة الوصل بينهما. من هنا بات المكان هو الوعاء الذي احتوى الإبداع و الأساس الذي نهض فوقه. و لا أظننا، في حالة غيابه، نستطيع أن نتصور كل هذا المنجز الإنساني و قد خلق دونما مكان أو في " اللامكان"، و لذلك كان لابد من إيثاكا و من طيبة و من طروادة و من الأندلس و من الحواضر الأخرى كلها ليتشكل التأريخ و الشعر و الملاحم جميعاً.
و الطريف في الأمر أن مفردة "مكان" تختزل بأحرفها الأربعة العالم بأسره.. بقاراته و بحاره.. بأوطانه و منافيه.. و بسجونه و شطآنه.. بيد أن المكان في الأدب ليس رقعة جغرافية ذات حدود معلومة و مرسمة، بل إنه يفوق الجغرافيا و الأطالس و خطوط الطول و العرض مساحة و عمقا و تضاريس، إذ حسبنا أن نسمي مكاناً ما كي نستحضر كل تأريخه و لغته و طقوسه و موروثه الحضاري.
و للمكان صور و مسميات لا حصر لها.. فلكل شاعر أو روائي مكانه بل أمكنته و الشواهد كثيرة حتى ليتعذر علينا أن نوردها كاملة، و خارطة الأبداع الشعري و الروائي تعج بالأسماء و الأمكنة. فقد اختار هنري باربوس غرفة بائسة لتستعر فيها نيران "جحيمه" و اتخذ جبرا إبراهيم جبرا متن "سفينة" لتغدو مسرحاً لأحداث روايته، و آثر همنغواي البحر و عبابه مكانا لمغامرة شيخه، إما خوان رولفو فقد نبش قبور كومالا ليخرج منها بيدرو بارامو. و لما استنفد بعضهم الواقع، نقبوا في مخيلاتهم عن مدن وهمية أخرى أو يوتوبيات كيما يشيدوا عوالمهم الروائية، فابتدع غارثيا ماركيث "ماكوندو" و شيد عبد الرحمن منيف من رمال الصحراء القاحلة "وادي حران"، و اهتدى جبرا و منيف معاً إلى "عمورية" في "عالم بلا خرائط". و استحال المكان في هذه الروايات ، و سواها كثير، البطل الحق و المحرك الرئيس لمجريات أحداثها.
و لو عدنا إلى الشعر لوجدنا أن علاقة الشاعر لا تقل حميمية و لا الفة. فمنذ فجر الشعر العربي كان الشاعر يستهل قصيدته بالوقوف على الأطلال الدوارس متذكراً "دار ميّة" أو باكياً من "ذكرى حبيب و منزل". ثم ألفيناه يستودع "الله في بغداد له قمراً" و يتغزل "بعيون المها بين الرصافة و الجسر". و على امتداد التأريخ الشعري كان تعلق الشاعر بالمكان يفوق حبه لحبيبته و تشببه بها و بقى المكان هو "أول منزل" سيستأثر بحنينه أبداً.
توطدت هذه العلاقة و ترسخت بين شعراء القرن العشرين بـتأثير التطور الذي اختصر المسافات و سهّل من عملية التنقل و الترحال. و اكتسب المكان أبعاداً جديدة و قيماً جمالية و رمزية لم تطرق من قبل. و لو استثنينا أراغون و "عيون إلزاه"، لوجدنا عدداً هائلا من الشعراء و قد مهروا قصائدهم باسماء لأمكنة متعددة. فهل أعلن رسول حمزاتوف حبيبة له سوى "داغستان"؟ و هل وهب بابلو نيرودا قلبه لغير "اسبانيا" و ذكرياته لسوى "إيسلا نيغرا". و كذلك لوركا، بالرغم من روحه المفعمة بغرناطته و بذلك " الدويندة" الأندلسي الذي يتملكها، إلا إنه لم يتوان عن أن يسم واحداً من أشهر دواوينه باسم نيويورك. و في أحيان أخرى، يتضائل المكان ليغدو محض زنزانة عفنة يبدع فيها ناظم حكمت أروع أشعاره، أو محض مستشفى مقيت يلفظ فيه السياب أو امل دنقل آخر أشعارهما.
لقد ألهمت الشعراء قصائدهم و أججت قرائحهم و أمدتهم بصور شعرية أخاذة و بمشاعر جياشة. و لما ضاقت بهم جغرافياهم شرعوا بالبحث عن مدن وهمية و أمكنة خيالية ينشدون فيها خلاصهم و حريتهم أو يبثون فيها عن تجاررب بكر ينضفر فيها الماضي و الحاضر و الحلم، فلاذوا بغرناطة و قرطبة فردوساً مفقوداً و مستعاراً أبدا في ذاكرة الشعراء العرب و عثر شعراء و كتاب أوربا وأمريكا و أمريكا اللاتينية على ضالتهم في الشرق الذي أسرهم بغموضه و سحره و طقوسه فغرفوا منه و نهلوا و أغنوا نتاجهم الشعري و الروائي، فتجسد هذا الشرق بروعة متناهية في روايات بقيت خالدة في ذاكرة القراء: "الأرض الطيبة" و "سدهارتا" و "رباعية الإسكندرية" و سواها كثير.
إذاً، لقد كانت العلاقة بين المبدع و المكان و ستبقى حميمة وثيقة، بل هي معادلة يصعب التفريط بأحد طرفيها. و لئن استمد المبدعون من المكان تجاربهم بكل ما فيها من ألق و بهاء.. و لوعة و ألم ، فإنما منحوه لقاء ذلك خلوده و بقاءه.. و لكن كلاً بحسب رؤيته و تفاعله و اندماجه به
.