15‏/08‏/2008













وداعاً محمود درويش

على هذه الأرض ما يستحق الحياة

محمود درويش
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
تردد أبريل
رائحة الخبز في الفجر
آراء امرأة في الرجال
كتابات اسخيليوس
أول الحب
عشب على حجرأمهات تقفن على خيط ناي

وخوف الغزاة من الذكريات
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
نهاية أيلول
سيدة تدخل الأربعين بكامل مشمشها
ساعة الشمس في السجن
غيم يقلد سرباً من الكائنات
هتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين
وخوف الطغاة من الأغنيات
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
على هذه الأرض سيدة الارض
أمّ البدايات
أمّ النهايات
كانت تسمى فلسطين
صارت تسمى فلسطين
سيدتي أستحق لأنك سيدتي
أستحق الحياة

02‏/07‏/2008


تـأمـلات فــي المـكـان


نرمين إبراهيم

لا ريب في أن علاقة المبدع بالمكان هي علاقة متواشجة أزلية، و هي علاقة تأثير و تأثّر و أخذ و عطاء متبادلين. فمذ وجد المكان، وجد الإبداع بصورته الفطرية و البدائية .. فكان الفن و كان الشعر و كانت الرواية و كل ضروب الأدب الأخرى. و لكن لابد لنا هنا من أن نميّز بين "مكانين": أولاً، المكان بمعناه الجغرافي.. البيئي الذي ينشأ الإبداع فيه و يزدهر، و حيث يصنع المبدع فيه تجربته و يصقلها، و ثانياً: المكان بوصفه واحداً من الأقانيم الرئيسة و الفاعلة داخل العمل الإبداعي ـ إلى جانب الزمان و الحدث و الشخوص و ما إلى غير ذلك. فالأول يقع خارج العمل الإبداعي و الثاني يقع داخله. و في أحيان كثيرة يتداخل "الخارج" مع "الداخل" و يغدو المبدع حلقة الوصل بينهما. من هنا بات المكان هو الوعاء الذي احتوى الإبداع و الأساس الذي نهض فوقه. و لا أظننا، في حالة غيابه، نستطيع أن نتصور كل هذا المنجز الإنساني و قد خلق دونما مكان أو في " اللامكان"، و لذلك كان لابد من إيثاكا و من طيبة و من طروادة و من الأندلس و من الحواضر الأخرى كلها ليتشكل التأريخ و الشعر و الملاحم جميعاً.
و الطريف في الأمر أن مفردة "مكان" تختزل بأحرفها الأربعة العالم بأسره.. بقاراته و بحاره.. بأوطانه و منافيه.. و بسجونه و شطآنه.. بيد أن المكان في الأدب ليس رقعة جغرافية ذات حدود معلومة و مرسمة، بل إنه يفوق الجغرافيا و الأطالس و خطوط الطول و العرض مساحة و عمقا و تضاريس، إذ حسبنا أن نسمي مكاناً ما كي نستحضر كل تأريخه و لغته و طقوسه و موروثه الحضاري.
و للمكان صور و مسميات لا حصر لها.. فلكل شاعر أو روائي مكانه بل أمكنته و الشواهد كثيرة حتى ليتعذر علينا أن نوردها كاملة، و خارطة الأبداع الشعري و الروائي تعج بالأسماء و الأمكنة. فقد اختار هنري باربوس غرفة بائسة لتستعر فيها نيران "جحيمه" و اتخذ جبرا إبراهيم جبرا متن "سفينة" لتغدو مسرحاً لأحداث روايته، و آثر همنغواي البحر و عبابه مكانا لمغامرة شيخه، إما خوان رولفو فقد نبش قبور كومالا ليخرج منها بيدرو بارامو. و لما استنفد بعضهم الواقع، نقبوا في مخيلاتهم عن مدن وهمية أخرى أو يوتوبيات كيما يشيدوا عوالمهم الروائية، فابتدع غارثيا ماركيث "ماكوندو" و شيد عبد الرحمن منيف من رمال الصحراء القاحلة "وادي حران"، و اهتدى جبرا و منيف معاً إلى "عمورية" في "عالم بلا خرائط". و استحال المكان في هذه الروايات ، و سواها كثير، البطل الحق و المحرك الرئيس لمجريات أحداثها.
و لو عدنا إلى الشعر لوجدنا أن علاقة الشاعر لا تقل حميمية و لا الفة. فمنذ فجر الشعر العربي كان الشاعر يستهل قصيدته بالوقوف على الأطلال الدوارس متذكراً "دار ميّة" أو باكياً من "ذكرى حبيب و منزل". ثم ألفيناه يستودع "الله في بغداد له قمراً" و يتغزل "بعيون المها بين الرصافة و الجسر". و على امتداد التأريخ الشعري كان تعلق الشاعر بالمكان يفوق حبه لحبيبته و تشببه بها و بقى المكان هو "أول منزل" سيستأثر بحنينه أبداً.
توطدت هذه العلاقة و ترسخت بين شعراء القرن العشرين بـتأثير التطور الذي اختصر المسافات و سهّل من عملية التنقل و الترحال. و اكتسب المكان أبعاداً جديدة و قيماً جمالية و رمزية لم تطرق من قبل. و لو استثنينا أراغون و "عيون إلزاه"، لوجدنا عدداً هائلا من الشعراء و قد مهروا قصائدهم باسماء لأمكنة متعددة. فهل أعلن رسول حمزاتوف حبيبة له سوى "داغستان"؟ و هل وهب بابلو نيرودا قلبه لغير "اسبانيا" و ذكرياته لسوى "إيسلا نيغرا". و كذلك لوركا، بالرغم من روحه المفعمة بغرناطته و بذلك " الدويندة" الأندلسي الذي يتملكها، إلا إنه لم يتوان عن أن يسم واحداً من أشهر دواوينه باسم نيويورك. و في أحيان أخرى، يتضائل المكان ليغدو محض زنزانة عفنة يبدع فيها ناظم حكمت أروع أشعاره، أو محض مستشفى مقيت يلفظ فيه السياب أو امل دنقل آخر أشعارهما.
لقد ألهمت الشعراء قصائدهم و أججت قرائحهم و أمدتهم بصور شعرية أخاذة و بمشاعر جياشة. و لما ضاقت بهم جغرافياهم شرعوا بالبحث عن مدن وهمية و أمكنة خيالية ينشدون فيها خلاصهم و حريتهم أو يبثون فيها عن تجاررب بكر ينضفر فيها الماضي و الحاضر و الحلم، فلاذوا بغرناطة و قرطبة فردوساً مفقوداً و مستعاراً أبدا في ذاكرة الشعراء العرب و عثر شعراء و كتاب أوربا وأمريكا و أمريكا اللاتينية على ضالتهم في الشرق الذي أسرهم بغموضه و سحره و طقوسه فغرفوا منه و نهلوا و أغنوا نتاجهم الشعري و الروائي، فتجسد هذا الشرق بروعة متناهية في روايات بقيت خالدة في ذاكرة القراء: "الأرض الطيبة" و "سدهارتا" و "رباعية الإسكندرية" و سواها كثير.
إذاً، لقد كانت العلاقة بين المبدع و المكان و ستبقى حميمة وثيقة، بل هي معادلة يصعب التفريط بأحد طرفيها. و لئن استمد المبدعون من المكان تجاربهم بكل ما فيها من ألق و بهاء.. و لوعة و ألم ، فإنما منحوه لقاء ذلك خلوده و بقاءه.. و لكن كلاً بحسب رؤيته و تفاعله و اندماجه به
.

08‏/06‏/2008


ليس سوى العراق

محمود درويش


أتذكّر السيّاب، يصرخ في الخليج سُدى
عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق..ولا يردُّ سوى الصدى
أتذكّر السيّاب، في هذا الفضاء السُّومري
تغًلبت أنثى على عُقم السديم،وأورثَتْنا السيّاب
ان الشعر يولد في العراق،
فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي
أتذكّر السيّاب... لم يجدِ الحياة كما تخيّل
بين دجلةَ والفراتِ، فلم يفكر مثل
جلجامش بأعشاب الخلود. ولم يفكر بالقيامة
بعدها...
أتذكر السيّاب... يأخذ عن حمورابي الشرائعَ
كي يغطّي سَوْءةً ويسير نحو ضريحه
أتذكّر السيّاب، حين أُصابُ بالحمّى وأهذى:
إخوتي كانوا يعدّون العشاء لجيش هولاكو،
ولا خَدَمٌ سواهم... إخوتي
أتذكر السيّاب... لم نحلم بما لا يستحق
النَّحل من قُوت، ولم نحلم بأكثر من
يدين صغيرتين تصافحان غيابنا..
أتذكر السيّاب... حدّادون موتَى ينهضون
من القبور ويصنعون قيودنا!
أتذكر السيّاب... إنّ الشعر تجربة ومنفى،
توأمان ونحن لم نحلم بأكثر من حياةكالحياة،
وان نموت على طريقتنا:
عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق

02‏/06‏/2008



مخطوطة لتاريخ قادم

نرمين إبراهيم

حييت سفحك عن بعد فحييني يا دجلة الخير يا أم البساتين
تتململ عظام الشاعر الغريب المسجاة في مقبرة الغرباء إذ لم يُنسج كفنه من "ذاك الشراع الرخص" كما تمنى، و دجلة كهل مثخن بجراح آلاف من الأعوام يمضي صامتا لا يحير سلاما. يروي حكاياته بصمت و ينوء بحمل آلاف الكتب التي استقرت في قاعه و بتأريخ وسمته الحروب و الغزوات و الحرائق و الطغاة و الدمار.
حييت سفحك ظمآنا ألوذ به...
وذؤابات النخيل تعانق حمرة الشفق التي خلفتها حفنة من دم الحسين ألقى بها نحو السماء ساعة كانت الروح تفارقه فيها ويتوسل النهر الصامت قطرة ماء، و دجلة لا يجد ما يروي به ظمأ الشاعر و لا ظمأ الحسين.
حييت سفحك... و الحلاج يحشرج "أنا الحق" وهو يهوي من أعلى المنارة فتمتزج حشرجاته بتكبيرات المؤذن ، و أمواج دجلة تردد "أنا الحق" كلما حلت ساعة وضوئه و تمضي منتحبة.
و قالوا صلبوه و بتروا يديه و قدميه و استأصلوا رأسه و سملوا عينيه و جدعوا أنفه و أذنيه و قطعوا لسانه فخطت دماؤه على الثرى لفظة الله ثم لفوه بحصيرة و أضرموا النار فيه و ذروا رماده من أعلى المنارة و لم يسكتوا هتافه "أنا الحق". و الحق يشهد في ملكوته ما حل بمريده و لم يحرك ساكنا.
حييت سفحك...و في كل البيوت مهدي منتظر تفتش عنه الأمهات الموشحات بالسواد في السجون و المخافر و المنافي و المقابر و لا يعثرن له على أثر.
حييت سفحك... و في كل عام يوقدن شموعهن ويحطنها بوريقات الآس و البخور و يضعنها على قطع شُجّت من كرب النخيل المخضب بالحناء و يودعهن النهر المنطوي على أسرار نذور صامتة صمت حكيم بوذي يبشر بلا كلمات. و أرتال الغزاة مازالت تتهادى بين الرصافة و الجسر و تستفئ بظل باسقات النخيل.
حييت سفحك... و أبو محسد يترجل من قاعدة تمثاله إذ لم يعد بوسعه أن ينام ملأ جفونه عن حرائقها لينجو بأشلاء قصائده التي التهمتها النيران وقد بحّ صوته دون أن تسمع كلماته من بهم صمم أو ينظر العمي إلى أدبه. يستجير بسيف الدولة الذي فر وخلف قصوره و قيانه نهبا للصوص و الحرائق وما من مجير.
يا دجلة الخير، يا أطياف ساحرة يا خمر خابية في ظل عرجون
والنواسي في مجلس أنسه يحتسي الخمرة حتى الثمالة، ييمم وجهه شطر النهر و يحمي ناصية الشارع بكأسه المستلة و يتغزل بغلمان شقر غزوا البلاد .
حييت سفحك... و في الليلة الثانية بعد الألف استباح الجند الشقر مخدع شهرزاد فسكتت عن الكلام المباح و شهريار ممدد على أريكته. و عبر النهر كان المنصور ينتحب بصمت و هو يشهد مدينته المدورة تتهاوى وسط الحرائق

2003/04/25